خرجت سوريا من «الأسد أو نحرق البلد» ولم تُنجز بعد سؤال الدولة

اسماعيل حاج بكري
لم يكن شعار «الأسد أو نحرق البلد» مجرد عبارة ظهرت في لحظة عنف سياسي، بل كان التعبير الأكثر اختصاراً عن منطق حكم تشكّل على مدى عقود؛ منطق ربط بقاء الدولة ببقاء النظام، والاستقرار بالولاء، والسياسة بالخوف. ضمن هذه المعادلة، لم تُدار سوريا بوصفها فضاءً عاماً لمواطنين متساوين، بل باعتبارها مجالاً للضبط المستمر، تُعاد هندسته كلما اقتضت مصلحة السلطة ذلك.
منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، لم يُطرح سؤال الدولة في سوريا بوصفه مشروعاً وطنياً، بل كأداة للسيطرة. جرى التعامل مع المجتمع لا باعتباره شريكاً في إنتاج الشرعية، بل مجتمعاً صامتاً، متشابهاً في الخطاب، ولاؤه واحد للقائد والحزب. هكذا أُفرغت المواطنة من مضمونها ، وأُعيد تعريفها كامتياز تمنحه السلطة. ضمن هذه المعادلة، لم تُبنَ الدولة على الثقة، بل على الخوف، ولم تُنتج مواطناً، بل فرداً حذراً يعرف حدوده جيداً. ومع الوقت، أُعيد توزيع النفوذ والامتيازات على أساس القرب من السلطة والانتماء الضمني إلى شبكاتها.
مع اندلاع الثورة عام 2011، لم يبدأ الانقسام السوري، بل انكشف. ما ظهر على السطح لم يكن نتاج الثورة بقدر ما كان حصيلة سنوات طويلة من القمع السياسي والاجتماعي. ومع تراجع سلطة الدولة المركزية، برز الفراغ الذي أخفته القبضة الأمنية. وفي غياب مؤسسات جامعة، لجأ كثير من السوريين إلى هوياتهم الدينية، والمناطقية، والعشائرية، لا بوصفها مشروعاً سياسياً بديلاً، بل كآلية دفاع في وجه الفراغ. المشكلة لم تكن في بروز هذه الهويات بحد ذاته، بل في غياب مشروع سياسي جامع يديرها. في ظل غياب حضور النخب الثقافية، تحولت هذه الانتماءات إلى أدوات، واستُخدمت من قِبل قوى محلية وإقليمية، ما عمّق الشرخ السوري.
أحد أهم ما كشفه الصراع السوري هو كذبة «المجتمع المتجانس» التي روّج لها النظام طويلاً. هذا المجتمع لم يكن موجوداً، بل فُرض بالقوة، وحين تراجعت هذه القوة انهارت الواجهة سريعاً. ما بقي هو مجتمع متعدد، بلا عقد اجتماعي، وبلا مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف. فالدولة التي تعتمد على السيطرة الأمنية بدل الشرعية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تمنعه. وعندما تهتز، يظهر الفراغ، وتتنازع الهويات على ما تبقى من سلطة.
العقد الاجتماعي في سوريا لم يُبنَ يوماً بوصفه اتفاقاً بين السلطة والمجتمع، بل فُرض من الأعلى، فكان هشاً بطبيعته. ولم تُعرّف العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس الحقوق والواجبات المتبادلة، بل على قاعدة الطاعة مقابل الحماية. ومع انهيار هذه المعادلة، لم يجد المجتمع مرجعية جامعة يعود إليها. وهنا طُرح السلم الأهلي بوصفه حلاً سحرياً، لكن ما غُفل عنه أنه لا يتحقق بقرارات فوقية أو بلجان شكلية، بل هو مسار سياسي واجتماعي طويل، يبدأ بالاعتراف المتبادل بالمظلومية، وبحوار وطني شامل يضم مختلف المكونات السورية، ولا يستثني الفئات التي تعرضت للتهميش أو الأذى الأكبر خلال سنوات الصراع.
لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الدولة من دون عدالة انتقالية حقيقية. العدالة هنا ليست مطلباً أخلاقياً فقط، بل شرطاً سياسياً للاستقرار. أي تسوية تتجاوز المكاشفة والمحاسبة والمساواة أمام القانون ستبقى تسوية هشّة، قائمة على توازنات مؤقتة لا على ثقة عامة. فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على السيطرة جغرافياً على الأرض، بل بقدرتها على إنتاج مجتمع ينتمي للدولة. حين يشعر المواطن أن الدولة تمثله وتحميه على أساس المواطنة المتساوية، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الضيقة. أما حين تغيب العدالة، تعود هذه الهويات إلى الواجهة بوصفها بدائل اضطرارية.
فشل السلطة في إدارة التنوع
أزمة سوريا ليست في تنوعها الاجتماعي والثقافي، بل في فشل الدولة في إدارة هذا التنوع ضمن عقد اجتماعي عادل. فالتعدد، حين يُدار بوعي ومؤسسات ضامنة، يتحول إلى مصدر قوة، وحين يُقمع أو يُستغل سياسياً يصبح نقطة ضعف. ولنا في لبنان والعراق وليبيا دروس حيّة، لأنها تعبّر عن إخفاقات متكررة في مسار بناء السلم الأهلي بعد الصراع. لبنان بعد الحرب الأهلية اعتمد نظام المحاصصة الطائفية، الذي حوّل الانقسامات إلى قاعدة حكم دائمة، فبدلًا من إنهاء الصراع رسّخه في مؤسسات الدولة. أما العراق، فقد سقط في فخ الانقسام المذهبي بعد عام 2003، بينما جعلت ليبيا غياب المؤسسات بعد إسقاط النظام البلاد تدخل في دوامة من العنف والانقسام. تؤكد هذه النماذج أن فشل بناء الدولة بعد الصراع لا يعود إلى التعدد، بل إلى سوء إدارة هذا التعدد وغياب الرؤية الوطنية الجامعة. عندما تُستبدل المواطنة بالمحاصصة، يتحول الوطن إلى مجموعة مصالح متنازعة، وتغيب العدالة لتُفتح أبواب الفوضى.
من النقاش إلى السياسات
برزت خلال السنوات الأخيرة نقاشات في أوساط سورية متعددة، من بينها جلسات وندوات مركز «تقدّم للحوار والتنمية وبناء السلام»، التي ركزت على الانتقال من تشخيص الأزمة إلى اقتراح مسارات عملية لإعادة بناء الدولة. وقد خلصت هذه النقاشات إلى جملة من الإجراءات الضرورية، أبرزها:
تجريم الخطاب الطائفي: عبر قوانين واضحة، بالتعاون بين المجتمع والدولة، لأن خطاب الطائفية كان من أدوات النظام لتعزيز الولاءات الفرعية وإضعاف الانتماء الوطني.
ـ ضبط السلاح وحصره بيد الدولة: انتشار السلاح يعزز الانقسامات والولاءات القبلية والمناطقية على حساب الدولة، وهذه الخطوة أساسية لاستعادة الأمن وإعادة الثقة بالمؤسسات.
ـ تحسين الاقتصاد وخلق فرص عمل: لأن الضعف الاقتصادي يفاقم الانقسامات الاجتماعية ويدفع الشباب للانخراط في ولاءات ضيقة.
ـ تفعيل العدالة الانتقالية (المكاشفة والمحاسبة): ليست انتقاماً، بل خطوة لبناء عقد اجتماعي جديد يعتمد على الثقة والمساواة.
ـ تمكين النقابات والمجتمع المدني: هذه المؤسسات تمنح المواطنين القدرة على التعبير عن مصالحهم وتعزز المشاركة المدنية في إعادة بناء الدولة.
ـ تطبيق اللامركزية وتفعيل قانون الإدارة المحلية (107): تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها يضمن مشاركة حقيقية في بناء الدولة.
ـ تعزيز الهوية الوطنية عبر المناهج الثقافية والتعليمية: فالتعليم والثقافة هما الأساس لخلق هوية وطنية جامعة تذوب فيها الانقسامات الطائفية والمناطقية.
ـ بناء الثقة بين المواطن والدولة على أساس العدالة والمساواة: فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل عبر مؤسسات تحترم حقوق جميع المواطنين، ما يحوّل الولاءات الفرعية إلى ولاء وطني راسخ.
ـ تكافؤ الفرص ونبذ التمييز العرقي والطائفي: المساواة في الفرص والقانون هي أساس دمج المجتمع وإدارة تنوعه بشكل عادل، لتصبح الدولة أداة خدمة لجميع المواطنين لا أداة احتكار سلطة لمجموعة واحدة.
بناء الدولة السورية القوية والعادلة لا يتم بالقوة والإملاء، بل بالشراكة الوطنية التي تحترم التنوع. أي محاولة لفرض رؤية أحادية من الأعلى مصيرها الفشل، لأنها تكرّس الانقسام وتؤجّج الصراع. نجاح السلطة الحالية مرهون بحكمتها في التعامل مع حساسية الواقع السوري وتنفيذها لتوصيات الحوار الوطني الشامل.